مايكروسوفت في Build 2026: ليس مجرد ذكاء اصطناعي، بل إعادة اختراع الحاسوب من جديد
صراحةً، كنت أتوقع مؤتمراً عادياً. تحديثات Copilot، بعض النماذج الجديدة، خريطة طريق مُعاد تدويرها. لكن ما جرى في Fort Mason بسان فرانسيسكو يوم الثلاثاء الماضي كان مختلفاً. مايكروسوفت لم تُعلن عن منتج، بل أعلنت عن فلسفة: انتهى عصر التطبيقات، وبدأ عصر الوكلاء.

البداية من سؤال بسيط: لماذا لا تزال تفتح تطبيقات؟
ناديلا طرح على خشبة المسرح فكرة تبدو بديهية لكنها في الواقع جذرية: لماذا يجب على المستخدم أن يفتح Outlook، ثم Teams، ثم Excel، ثم يجمع كل شيء بنفسه؟ لماذا لا يوجد "شيء ما" يفعل كل ذلك بدلاً منه؟
الجواب هو Project Solara، وهو المشروع الأطموح الذي يريد مايكروسوفت من خلاله استبدال النموذج التقليدي للبرمجيات بالكامل. سولارا مبني حول وكلاء ذكاء اصطناعي يفسّرون نية المستخدم وينفذون المهام عبر الخدمات المختلفة، مع واجهات مستخدم تُولَّد ديناميكياً بحسب السياق بدلاً من تصميمها مسبقاً لأجهزة بعينها. بمعنى آخر، لن تفتح تطبيقاً، بل ستطلب ما تريد وسيظهر الواجهة التي تحتاجها فقط في اللحظة التي تحتاجها.
قال ناديلا بشكل مباشر: "عندما تظهر هذه المنصات الجديدة، يُتاح لكم إعادة كتابة حتى قواعد تشغيلها. هذا ما نسعى لتحقيقه من خلال مشروع سولارا."
Scout: المساعد الذي لا ينام
أبرز ما أُعلن عنه للمستخدمين العاديين والشركات هو وكيل جديد اسمه Scout. لكن لا تخلط بينه وبين Copilot القديم الذي يجيب على أسئلتك فقط.
Scout وكيل "دائم الاتصال" مبني على إطار OpenClaw، يمكنه التفاعل مع Teams كأنه زميل عمل حقيقي. يستطيع تصفح الرسائل ورسائل البريد الإلكتروني والتقويم، وأتمتة المهام، وإعادة جدولة الاجتماعات المتعارضة، وصياغة ردود احترافية.
المستخدم يُسمّي نسخته الخاصة من Scout - في العرض التوضيحي كان الاسم "Sebastian" - والهدف هو إنشاء مساعد يتكيف باستمرار مع احتياجات المستخدم.
لكن الأهم من كل ذلك هو جانب الأمان. كل وكيل Scout يعمل تحت هوية Entra خاصة به ومُدارة، وليس حساباً مشتركاً مجهولاً، مما يعني أن كل ما يفعله قابل للتتبع وقابل للمساءلة. وهذا رد مباشر على مخاوف الشركات من وكلاء ذكاء اصطناعي غير منضبطين يعبثون في أنظمتها الحساسة.
يأتي Scout مزوداً بنظام مدمج للتحقق من الامتثال يعمل باستمرار للتأكد من أن الوكيل يعمل وفق السياسات المحددة، وكل عملية تحقق تُولّد سجلاً تدقيقياً خاصاً بها.
OpenClaw داخل Windows: الفوضى المُنظّمة
هنا كان اللحظة الأكثر إثارة في المؤتمر، وربما الأكثر خطورة أيضاً.
OpenClaw هو برنامج مفتوح المصدر اكتسح عالم الذكاء الاصطناعي في بداية 2026، يتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي تنفيذ مهام معقدة ومتعددة الخطوات. المشكلة؟ كان يعمل خارج أي قيود أمنية حقيقية، مما أثار مخاوف جدية.
مايكروسوفت تريد الآن إحضاره إلى بيئة الشركات بشكل آمن. عرض المسؤولون كيف يمكن لقسم تكنولوجيا المعلومات تقييد ما يستطيع OpenClaw الوصول إليه، ففي العرض التوضيحي طلب أحد المهندسين من الوكيل حذف كل ما على سطح المكتب، لكن الوكيل لم يتمكن من ذلك لأن الحاوية كانت في وضع القراءة فقط.
قال بيتر شتاينبرغر، مخترع OpenClaw، على المسرح بثقة: "يمكنك الآن تشغيل OpenClaw بالكامل داخل شركتك."
وبكل صراحة، عندما سمعتها تخيلت آلاف مديري تكنولوجيا المعلومات يتنهدون في نفس الوقت.
الحاسوب الجديد: Surface RTX Spark Dev Box
ليس كل شيء في المؤتمر كان برمجياً. مايكروسوفت قدمت أيضاً أجهزة جديدة تعكس رؤيتها لمستقبل الحوسبة.
جهاز Surface RTX Spark Dev Box هو نظام مدمج مصمم للتعامل مع أعباء الذكاء الاصطناعي محلياً، مدعوم بشريحة RTX Spark الجديدة من Nvidia التي أُطلقت في معرض Computex 2026. والرقم المثير هنا أن هذا الجهاز يستطيع تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي بـ 120 مليار معامل، وهو رقم لم تكن معظم الحواسيب الشخصية قادرة عليه قبل أشهر قليلة.
جهاز Surface RTX Spark Dev Box يوفر قدرة حوسبة تصل إلى 1 Petaflop للذكاء الاصطناعي.
الهدف الواضح هو منافسة أجهزة Apple، لكن المحللين يقولون إن تبني الشركات لهذه الأجهزة سيحتاج وقتاً، وهذا تقييم واقعي.

الرعاية الصحية: الرهان الأجرأ
ما لم يحظَ بالاهتمام الكافي في تغطية المؤتمر هو الشراكة مع Mayo Clinic، وهي في رأيي الرهان الأجرأ الذي أعلنته مايكروسوفت.
الهدف المُعلن هو استخدام نماذج الاستدلال والحوسبة لمايكروسوفت مع البيانات السريرية والخبرة الطبية لـ Mayo Clinic لتطوير أنظمة تشخيص مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وقد صرّح الرئيس التنفيذي لـ Mayo Clinic جيانريكو فاروجيا بأن الهدف هو "تحسين نتائج المرضى باستخدام ذكاء اصطناعي يعمل كعضو في الفريق الطبي."
هذا مختلف عن بيع برمجيات للشركات. هذا دخول في قطاع تكون فيه الأخطاء مُكلفة بالمعنى الحرفي للكلمة.
ما الذي لم يقوله ناديلا؟
المؤتمر كان انطباعياً في صورته العامة، لكن اللي يستحق التأمل هو ما لم يُقَل:
مايكروسوفت لا تمتلك بعد نموذجاً لغوياً عاماً من الطراز الأول ينافس GPT-5 أو Gemini 3.1. نماذج MAI ممتازة في مجالاتها المتخصصة، لكن الصورة الكاملة لم تكتمل بعد. حتى سليمان نفسه اعترف بأن ذلك سيحتاج سنة أو سنتين إضافيتين.
والسؤال الحقيقي: هل سيقبل المطورون والمؤسسات على وكلاء يعملون بشكل مستقل في بيئاتهم الحساسة؟ الاشتياق للأتمتة موجود، لكن الثقة تُبنى ببطء.
ماذا يعني هذا للمستخدم العربي؟
إذا نجح رهان مايكروسوفت، فنحن أمام تحوّل حقيقي في طريقة عملنا: لن تفتح بريدك وتقرأ 50 رسالة كل صباح، بل سيلخّصها لك Scout ويقترح الردود. لن تبحث عن مستند في OneDrive دقيقتين، بل سيجده الوكيل ويفتحه مباشرة.
لكن هذا يطرح أيضاً سؤالاً مشروعاً: من يراقب الوكيل؟ ومن يتحمل المسؤولية حين يُخطئ؟
المستقبل مثير، لكنه يستحق أسئلة جدية.
أكتب تعليقك و شاركنا برأيك